تعد الشفافية والعدالة المحركين الأساسيين لأي اقتصاد يطمح إلى الريادة والاستدامة؛ وبدونهما تفقد الأسواق حيويتها وتتراجع قدرة الشركات على الابتكار.
إن التطور المتسارع في حركة التجارة العالمية واتساع رقعة الاستثمارات المحلية والأجنبية فرض ضرورة وجود أطر تشريعية حازمة تضبط إيقاع السوق وتكبح جماح الممارسات غير القانونية. وهو ما تجسد بوضوح في نص القانون رقم (19) لسنة 2006 بشأن حماية المنافسة ومنع الاحتكار.

الأسواق المستقرة والنمو الاقتصادي المستدام يعتمدان بشكل جوهري على ترسيخ مبادئ العدالة والنزاهة في التعاملات التجارية بين كافة الأطراف.
وبالتالي، تمثل سياسة حماية المنافسة ومنع الاحتكار الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها الاقتصاد الحر. والتي تسعى الدول من خلالها إلى ضمان تكافؤ الفرص ومنع الهيمنة التي تعيق الابتكار وتضر بمصالح المستهلكين والشركات على حد سواء.
ومن هذا المنطلق، تحرص الدولة بشدة على إرساء هذه القواعد ونبذ كافة التصرفات الاحتكارية الضارة والممارسات التي تنال من حسن سير الأسواق، خاصة وأن هذه الممارسات لا تتماشى مع سياسة الاقتصاد المفتوح.
بالتالي، لم يعد فهم الأطر القانونية المنظمة لهذا المجال مجرد إجراء إداري عابر، بل صمام أمان استراتيجي للشركات لضمان استمرارية نشاطها الاقتصادي بعيداً عن المخاطر القانونية والغرامات المليونية التي قد تعصف بكيان الشركة واستقرارها المالي.
أقرأ ايضًا: ضوابط توزيع الأرباح في الشركات المساهمة وفق القانون القطري 2026
أهداف القانون ودور لجنة حماية المنافسة
يهدف القانون في المقام الأول إلى إلى حماية وتعزيز المنافسة العادلة في السوق عبر منع الممارسات الاحتكارية الضارة التي تؤدي إلى تشويه الآليات الطبيعية للعرض والطلب. والتي تتمثل بشكل واضح في:
- ممارسات التلاعب بالأسعار.
- تقييد تدفق المنتجات.
- احتكار الأسواق أو تقسيمها وتوزيع حصصها بطريقة تضر بالاقتصاد الوطني.
وبناءً على هذه الرؤية، تم تفعيل دور “لجنة حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية” لتكون الذراع الرقابي الضامن لحقوق كافة الأطراف.
وبدورها، تضطلع هذه اللجنة، التي تضم عناصر ذوي خبرة في المجالات المختلفة وتتبع الوزير، بمهام جسيمة ومسؤوليات حيوية لتعزيز حماية المنافسة ومنع الاحتكار. وتشمل هذه المهام:
- العمل على تعزيز حماية المنافسة ومنع الاحتكار من خلال اتخاذ القرارات المناسبة المبنية على البيانات والمعلومات المتكاملة والمتطورة عن النشاط الاقتصادي بالدولة.
- نشر الوعي الكافي حول أهمية المنافسة الشريفة التي تؤدي لتقديم سلع وخدمات ذات جودة عالية وأسعار مناسبة، مع توضيح الآثار السلبية للممارسات الاحتكارية على المنافسة العادلة.
- تكييف آليات عمل مجلس المنافسة لمواجهة التحديات المتجددة وضبط الأسعار بفعالية. وهذا ما يؤدي إلى بيئة تجارية عادلة وتوفير خيارات متنوعة أمام جميع المستهلكين، بعيداً عن أي ضغوط احتكارية.
الممارسات المحظورة بموجب المادة (3) من القانون
وضعت المادة (3) من قانون رقم (19) لسنة 2006 بشأن حماية المنافسة ومنع الاحتكار ضوابط صارمة تحظر الدخول في أي اتفاقات أو إبرام عقود أو القيام بممارسات يكون من شأنها الإخلال بقواعد المنافسة.
هذه المحظورات تم تفصيلها بدقة لتشمل الأفعال التي تضرب مبدأ حماية المنافسة ومنع الاحتكار في مقتل، وهي:
- التلاعب السعري المتعمد: يحظر تماماً التلاعب في أسعار المنتجات سواء عن طريق رفعها أو خفضها أو تثبيت أسعارها أو بأي صورة أخرى تؤثر على السعر العادل في السوق.
- تقييد حرية تدفق المنتجات: يمنع القانون الحد من حرية تدفق المنتجات إلى الأسواق أو خروجها منها بصورة كلية أو جزئية. ويشمل ذلك إخفاء المنتجات أو الامتناع عن التعامل فيها رغم وجودها لدى حائزها، أو تخزينها لفترات دون وجود مبرر اقتصادي سليم.
- افتعال الوفرة المضللة: يحظر القانون افتعال وفرة مفاجئة في المنتجات تؤدي إلى تداولها بسعر يؤثر بشكل مباشر وسلبي على اقتصاديات باقي المتنافسين، مما يخل بتوازن السوق ويضرب جهود حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
- منع ممارسة النشاط الاقتصادي: لا يجوز منع أي شخص من ممارسة نشاطه الاقتصادي أو التجاري في السوق، كما يحظر القانون حجب المنتجات المتاحة في السوق بصورة كلية أو جزئية عن شخص محدد دون مبرر مقبول.
- تقييد العمليات الإنتاجية والتصنيعية: يمنع تقييد عمليات الإنتاج أو التصنيع أو التوزيع أو التسويق. كما يمنع الحد من توزيع الخدمات أو نوعها أو حجمها، أو وضع شروط وقيود مجحفة على توفير هذه الخدمات.
- اقتسام الأسواق وتخصيص المناطق: يحظر القانون اقتسام أسواق المنتجات أو تخصيصها على أساس مناطق جغرافية، أو مراكز توزيع، أو نوعية العملاء. كما يمنع التقسيم على أساس موسمي أو فترات زمنية محددة أو على أساس نوعية السلع.
- التواطؤ في المناقصات والمزايدات: يمنع التنسيق أو الاتفاق بين المتنافسين فيما يتعلق بتقديم أو الامتناع عن تقديم عطاءات في المناقصات، والممارسات، والمزايدات، وعروض التوريد المختلفة، لما يمثله ذلك من خرق لمبدأ حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
- نشر المعلومات المضللة: يحظر نشر معلومات غير صحيحة عن المنتجات أو أسعارها مع العلم المسبق بذلك، لما في ذلك من إضرار بالمنظومة التنافسية وبمصلحة التجار الآخرين.

أقرأ ايضًا: الفرق بين بيع المتجر وتأجيره ورهنه في القانون القطري 2026
نظام العقوبات والمسؤولية الإدارية
العقوبات القانونية المقررة في إطار حماية المنافسة ومنع الاحتكار تتسم بالشدة والصرامة لضمان الردع والامتثال الكامل بمبادئ السوق الحر. حيث يعاقب كل من يخالف أحكام هذا القانون بالجزاءات التالية:
- الغرامات المالية المغلظة: يعاقب المخالف بغرامة مالية لا تقل عن 100,000 ريال قطري ولا تتجاوز 5,000,000 ريال قطري. وذلك حسب جسامة المخالفة وأثرها على السوق.
- المصادرة الشاملة: تقضي المحكمة في جميع الأحوال بمصادرة الأرباح المتحصلة من النشاط المخالف، وغيرها مما يكون قد حصل عليه المخالف نتيجة المنافسة غير المشروعة أو خرق قوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
- مسؤولية الإدارة الفعلية: يعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص المعنوي (الشركة) بذات العقوبات المقررة. وإذا ثبت علمه بالمخالفة، وكان إخلاله بالواجبات التي تفرضها عليه تلك الإدارة قد أسهم في وقوع الجريمة، مما يؤكد أن الامتثال هو مسؤولية القيادة العليا.
الضوابط القانونية في علاقات العمل والتعامل التجاري
تتطلب حماية المنافسة ومنع الاحتكار تنظيماً دقيقاً ليس فقط بين المتنافسين، بل في صلب العقود الداخلية والتعاملات البينية لضمان استقرار السوق. ويتمثل ذلك في:
- شرط عدم المنافسة في عقد العمل: القانون يوضح أن شرط عدم المنافسة لا يعد التزاماً ضمنياً أو تلقائياً. لا يعتد بهذا الشرط إلا إذا تم النص عليه صراحة في عقد العمل أو في اتفاق لاحق مكتوب. مما يعني أن العامل لا يمنع من ممارسة مهنة مشابهة بعد انتهاء العقد إلا بوجود اتفاق واضح ومكتوب يحفظ توازن مبدأ حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
- اتفاقات الحجب المخلة: الاتفاق بين تاجر أو أكثر ومورد أو أكثر بشأن عدم تزويد أحد التجار المنافسين له بالسوق لمنتج محدد يُعتبر ممارسة مخلة بالمنافسة ومخالفة صريحة تستوجب المحاسبة القانونية.
- التدليس والغش التجاري: المادة (69) نصت بوضوح على أنه لا يجوز للتاجر اللجوء إلى طرق التدليس والغش في تصريف بضاعته، وليس له أن ينشر بيانات من شأنها أن تضر بمصلحة تاجر آخر ينافسه، وإلا كان مسؤولاً مسؤولية كاملة عما يترتب على ذلك من أضرار تمس عدالة السوق.
الأسئلة الشائعة حول حماية المنافسة ومنع الاحتكار
ما هي الفائدة المباشرة التي تعود على الشركات من تطبيق حماية المنافسة ومنع الاحتكار؟
إن سياسة حماية المنافسة ومنع الاحتكار ضرورية لحماية المستهلك وضمان بيئة تجارية عادلة، وهي تؤدي لتقديم سلع وخدمات ذات جودة عالية وأسعار مناسبة، كما تمنع الممارسات الاحتكارية التي تؤثر سلباً على نمو الشركات الناشئة والمتوسطة وتضمن لها مكاناً في السوق.
كيف يتم التعامل مع التواطؤ في المناقصات الحكومية والخاصة؟
التواطؤ في المناقصات والتأثير في الأسعار يعد مخالفة يعاقب عليها القانون بصرامة شديدة. ويشمل ذلك تقاسم الأسواق والعملاء بين الشركات المتنافسة لضمان نزاهة الإنفاق العام والخاص وتحقيق مبادئ حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
هل تتدخل الدولة بشكل مباشر لضبط الأسعار؟
نعم، حيث يمتلك مجلس المنافسة آليات مختلفة لمراقبة الأسعار وضمان سير السوق بشكل عادل يتماشى مع سياسة الاقتصاد المفتوح، وذلك من خلال اتخاذ قرارات مبنية على بيانات ومعلومات متكاملة تمنع أي تلاعب بالسعر العادل.

الخلاصة: الامتثال كضرورة لاستدامة البيئة التجارية
يجب أن تتم ممارسة النشاط الاقتصادي والتجاري دائماً على النحو الذي لا يؤدي إلى منع المنافسة أو تقييدها أو الإضرار بها، وذلك وفقاً لأحكام هذا القانون ودون الإخلال بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية السارية التي تدعم حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
إن قانون المنافسة يضمن الحماية للمستهلك وللشركات الملتزمة من خلال توفير بيئة تجارية عادلة، وهو ما يتطلب تكييف آليات عمل مجلس المنافسة لمواجهة التحديات بفعالية تامة.
المنافسة الشريفة والامتثال الصارم للقانون هما السبيل الوحيد لنمو الشركات وتجنب الغرامات المالية الكبرى. ويعد حرص الدولة على نبذ التصرفات الاحتكارية العامل الأساسي الذي يعزز من كفاءة الأسواق، ويضمن أن الجودة والسعر العادل هما المعيار الوحيد للنجاح في ظل منظومة قانونية تحمي الجميع وتصادر الأرباح الناتجة عن أي ممارسات تخالف قواعد حماية المنافسة ومنع الاحتكار.