يُعد الإثبات القضائي حجر الأساس في حماية الحقوق وصون المراكز القانونية، إذ لا يكفي نشوء الحق قانوناً حتى يُنتج أثره، بل يتعين إثباته وفق الوسائل التي رسمها القانون. ومن بين أهم وسائل الإثبات في المواد المدنية والتجارية: الإقرار والاعتراف، وهما مصطلحان كثيرًا ما يختلطان في التداول العملي، رغم اختلاف طبيعتها القانونية وآثارهما الإجرائية.
وقد أولى المشرّع القطري عناية خاصة بالإقرار في القانون القطري ضمن الباب الخامس من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم (13) لسنة 1990، من خلال المواد (302 – 304)، باعتباره دليلاً قاطعاً من أدلة الإثبات، يترتب عليه إعفاء الخصم من عبء الإثبات، ويلزم القاضي بالأخذ به متى استوفى شروطه.
وتثور الإشكالية حول مدى التفرقة بين الإقرار والاعتراف، وما إذا كانا مصطلحين مترادفين في المواد المدنية، أم أن بينهما اختلافًا في المفهوم والحجية والآثار، خصوصًا عند المقارنة بين المجالين المدني والجنائي.

أولاً: ماهية الإقرار في القانون القطري
استقر قضاء محكمة التمييز القطرية على تعريف الإقرار بأنه:
“اعتراف الشخص بحق عليه بقصد اعتباره ثابتاً في ذمته وإعفاء خصمه من الإثبات”.
(الطعن رقم 216 لسنة 2010 – جلسة 8/3/2011)
ويستفاد من هذا التعريف أن الإقرار يتضمن عناصر ثلاثة:
- صدور تعبير إرادي من الشخص.
- انصراف هذا التعبير إلى حق ثابت في ذمته.
- قصد إعفاء الخصم من الإثبات.
الإقرار إذن تصرف قانوني من جانب واحد، يتضمن التزاماً ذاتياً، ويترتب عليه أثر حاسم في الخصومة.
وقد اشترطت المادة (302) من قانون المرافعات أن يكون الإقرار أمام القضاء وأثناء سير الدعوى بالواقعة القانونية محل النزاع، حتى يكتسب وصف الإقرار القضائي، وهو أقوى صور الإقرار.
اقرأ أيضًا: حماية البيانات الشخصية في قطر وفق القانون رقم 13 لسنة 2016
ثانياً: شروط صحة الإقرار
1- صدوره عن إرادة حرة وجدية
نصت المادة (303) على أن الإقرار يكون حجة قاطعة على المقر بشرط أن يكون تعبيراً عن إرادة حرة لا يشوبها عيب من عيوب الرضا.
ومن ثم فإن الإقرار يبطل إذا شابه:
- الغلط الجوهري.
- الإكراه.
- التدليس.
- الاستغلال.
وهنا يتضح الطابع التعاقدي للإقرار بوصفه تصرفًا قانونيًا، يخضع لقواعد صحة الرضا الواردة في القانون المدني.
2- صدوره من كامل الأهلية
يشترط في المقر أن يكون كامل الأهلية، أي بالغًا سن الرشد (18 سنة) وفقًا للمادة (49) من القانون المدني القطري.
وذلك لأن الإقرار يترتب عليه تحميل ذمة المقر بالتزام، ومن ثم لا يقبل من ناقص الأهلية إلا في حدود ما يجيزه القانون.
3- تعلقه بحق شخصي
يجب أن ينصب الإقرار على حق أو واقعة قانونية منتجة في النزاع، وإلا كان لغواً لا أثر له.

ثالثاً: حجية الإقرار وأثره في الدعوى
الإقرار القضائي يُعد حجة قاطعة على المقر، ويلزم القاضي بالحكم بمقتضاه، ولا يملك سلطة تقديرية في رفضه متى توافرت شروطه القانونية.
وقد أكدت محكمة التمييز هذا المبدأ بقولها:
“…وأن هذا الإقرار يكون حجة قاطعة على المقر بشرط أن يكون تعبيراً عن إرادة حرة وجدية لا يشوبها عيب من عيوب الرضا…”
(الطعن رقم 216 لسنة 2010)
وتكمن أهمية هذه الحجية في أمرين:
- إعفاء الخصم من عبء الإثبات.
- تقليص نطاق سلطة القاضي التقديرية.
ومن ثم فإن الإقرار يُعد من أقوى أدلة الإثبات في المواد المدنية.
رابعاً: الإقرار القضائي وغير القضائي
1- الإقرار القضائي
هو ما يصدر أمام المحكمة أثناء سير الدعوى، ويكتسب حجية قاطعة.
2- الإقرار غير القضائي
هو ما يصدر خارج مجلس القضاء، كأن يرد في محرر رسمي أو عرفي أو في محضر موثق.
وهذا النوع لا يفقد صفته كدليل، لكنه يخضع لتقدير المحكمة ما لم يكن ثابتاً في محرر رسمي، وفي هذه الحالة يكتسب قوة في الإثبات وفق قواعد المحررات الرسمية.
خامساً: عدم قابلية الإقرار للتجزئة
تنص المادة (303/2) على أن الإقرار غير قابل للتجزئة، فلا يجوز للخصم أن يتمسك بالجزء الذي يفيده ويطرح الجزء الآخر.
غير أن الفقه يرى أن هذا المبدأ لا يمنع من تجزئته إذا كان الجزء الآخر منفصلاً استقلالاً من الناحية المنطقية والقانونية.
اقرأ أيضًا: حالات مسؤولية مالك السفينة على الشيوع في القانون البحري القطري
سادساً: الاعتراف في المجال المدني والجنائي
يُستخدم مصطلح “الاعتراف” في القانون الجنائي للدلالة على إقرار المتهم بارتكاب الجريمة، وهو دليل يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، ويشترط أن يكون صريحًا وصادرًا عن إرادة حرة.
أما في المجال المدني، فإن مصطلح الاعتراف يُستعمل أحيانًا بمعنى الإقرار، إلا أن التكييف القانوني الصحيح هو أن الإقرار هو المصطلح الأدق فنيًا في المواد المدنية.
ومن الفروق الجوهرية:
| وجه المقارنة | الإقرار المدني | الاعتراف الجنائي |
|---|---|---|
| الطبيعة | تصرف قانوني | دليل إثبات |
| الحجية | حجة قاطعة | يخضع لتقدير القاضي |
| التجزئة | غير قابل للتجزئة | قابل للتجزئة |
| الرجوع | لا يجوز الرجوع فيه إلا لعيب إرادة | يجوز العدول عنه |
سابعاً: الفرق بين الإقرار والاعتراف في المواد المدنية
رغم أن بعض الفقه يميل إلى التفرقة بين المصطلحين داخل المجال المدني ذاته، إلا أن الاتجاه الغالب يعتبر الاعتراف في المواد المدنية صورة من صور الإقرار متى استوفى شروطه.
غير أن الفارق العملي يظهر في الحالات الآتية:
- الإقرار يتطلب نية الالتزام.
- الاعتراف قد يكون مجرد بيان واقعة.
- الإقرار ملزم للقاضي.
- الاعتراف يخضع للتقدير إذا لم يستوف شروط الإقرار القضائي.
ثامناً: أثر الإقرار على الخلف العام
الإقرار يمتد أثره إلى الخلف العام للمقر، لأنه يتعلق بالذمة المالية، وهي تنتقل إلى الورثة. بينما الاعتراف في المجال الجنائي أثره شخصي بحت.
تاسعاً: الأساس الفلسفي لحجية الإقرار
يقوم الإقرار على فكرة استقرار المعاملات، واحترام الإرادة الفردية، وتخفيف عبء التقاضي. فإذا أقر الشخص بحق عليه، فلا مصلحة للمجتمع ولا للعدالة في تكليف الخصم بإثبات ما أقر به خصمه.
ومن ثم، فإن الإقرار يعكس مبدأ سلطان الإرادة مقرونًا بمبدأ الاقتصاد في الإجراءات القضائية.

عاشراً: موقف القضاء القطري
جاء حكم محكمة التمييز في الطعن رقم 216 لسنة 2010 ليؤكد أن إغفال المحكمة للإقرار القضائي يُعد قصورًا في التسبيب يوجب التمييز، إذا كان من شأن الأخذ به تغيير وجه الرأي في الدعوى.
وهذا يعكس الطبيعة الإلزامية للإقرار، ويدلل على أن القضاء القطري يتشدد في حماية حجية هذا الدليل.
الخاتمة
يتبين من التحليل أن الإقرار في القانون القطري يُعد من أقوى وسائل الإثبات في المواد المدنية، لما يتمتع به من حجية قاطعة وأثر ملزم للقاضي، شريطة أن يصدر عن إرادة حرة، ومن كامل الأهلية، وأمام القضاء أثناء سير الدعوى.
أما الاعتراف، فيظل مصطلحًا أوسع، يختلف أثره بحسب المجال القانوني الذي يرد فيه، ويخضع في المواد الجنائية لتقدير المحكمة، بخلاف الإقرار المدني الذي يُعد حجة ملزمة.
ومن ثم فإن التفرقة بين المصطلحين ليست مجرد خلاف لغوي، بل تترتب عليها آثار عملية مهمة في عبء الإثبات، وسلطة القاضي، ومدى قابلية الرجوع أو التجزئة.
ويبقى الإقرار، في نهاية المطاف، تجسيدًا قانونيًا لفكرة أن الإنسان حجة على نفسه، وأن العدالة تقوم على احترام ما يصدر عن الإرادة الحرة من التزامات.