شهدت دولتنا دولة قطر في يونيو 2025 خطوة تشريعية مهمة، تمثلت في مصادقة مجلس الشورى على مشروع قانون يتضمن تعديلات جوهرية على بعض أحكام قانون الموارد البشرية المدنية رقم (15) لسنة 2016. وقد جاءت هذه التعديلات في إطار تطوير المنظومة الإدارية للدولة، وتعزيز كفاءة الجهاز الحكومي، وتحقيق التوازن بين متطلبات العمل الوظيفي واحتياجات الموظف الاجتماعية والأسرية، بما ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030.
ولا تمثل هذه التعديلات مجرد تحديث شكلي للنصوص القانونية، بل تعكس توجهًا تشريعيًا واضحًا نحو ترسيخ حقوق الموظف العام بوصفه ركيزة أساسية في تحقيق التنمية الإدارية والاقتصادية.

أولًا: الحق في التعيين وتكافؤ الفرص
يُعد الحق في الالتحاق بالوظيفة العامة من أهم الحقوق التي كفلها المشرع القطري، حيث أرسى مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في شغل الوظائف العامة، وجعل التعيين قائمًا على معايير الكفاءة والجدارة دون تمييز أو محاباة.
وقد نظم قانون الموارد البشرية إجراءات التوظيف تنظيمًا دقيقًا، بدءًا من الإعلان عن الوظائف، ومرورًا بآليات الاختيار والمفاضلة، وانتهاءً بإصدار قرارات التعيين، بما يضمن الشفافية ويحمي حق المواطن في النفاذ إلى الوظيفة العامة باعتبارها خدمة للصالح العام لا امتيازًا شخصيًا.
أقرأ ايضًا: تملك الأجانب للعقارات في قطر 2026: القانون والمناطق والإجراءات الكاملة
ثانيًا: الحقوق المالية للموظف العام
بعد استقرار المركز القانوني للموظف بالتعيين، كفل له المشرع حقوقًا مالية تضمن له العيش الكريم والاستقرار الوظيفي. فقد نظمت المواد من (22) إلى (29) من القانون أحكام الراتب والبدلات والعلاوات، وتشمل:
- الراتب الأساسي باعتباره المقابل المباشر لأداء العمل.
- البدلات المختلفة مثل بدل السكن وبدل التنقل.
- العلاوات الاجتماعية المرتبطة بالحالة الاجتماعية أو المؤهل العلمي أو طبيعة الوظيفة.
ويُعد هذا التنظيم المالي تعبيرًا عن فلسفة تشريعية ترى أن الاستقرار المعيشي للموظف العام شرط أساسي لحسن أداء المرفق العام، وأن صرف المستحقات المالية التزام قانوني لا يجوز للإدارة الإخلال به.
ثالثًا: الحق في الإجازات
يُعد الحق في الإجازة من الحقوق الجوهرية التي يتمتع بها الموظف العام، لما له من دور في تحقيق التوازن بين الحياة الوظيفية والحياة الشخصية. وقد نظم المشرع هذا الحق من خلال إقرار أنواع متعددة من الإجازات، من بينها:
- الإجازة السنوية الدورية.
- الإجازة المرضية.
- الإجازات الاستثنائية لمواجهة الظروف الطارئة.
- الإجازات الدراسية لتنمية القدرات العلمية والعملية.
- إجازة الوضع للمرأة العاملة.
ويعكس هذا التنظيم إدراك المشرع لأهمية البعد الإنساني في العلاقة الوظيفية، وأن كفاءة الموظف لا تنفصل عن استقراره النفسي والاجتماعي.

رابعًا: الحق في الترقية والتدريب
يُعد التدرج الوظيفي أحد أبرز مظاهر العدالة الإدارية، وقد أقر المشرع مبدأ الترقية وفق ضوابط موضوعية تستند إلى الأقدمية أو الكفاءة، بما يمنع المحاباة ويكفل تكافؤ الفرص داخل الجهاز الإداري.
وإلى جانب ذلك، ألزم القانون الجهات الإدارية بتوفير برامج التدريب والتأهيل المستمر، بما يمكن الموظف من تطوير مهاراته ومواكبة التطورات الإدارية والتقنية، ويعزز من كفاءة الأداء المؤسسي.
أقرأ ايضًا: تكامل التحكيم الدولي مع السيادة الوطنية في عقود الدولة وفق القانون القطري
خامسًا: الرعاية الاجتماعية والضمانات الوظيفية
لم يقتصر تنظيم حقوق الموظف العام على الجوانب المالية فحسب، بل امتد ليشمل الرعاية الصحية والتأمين الاجتماعي ونظام التقاعد، بما يوفر الأمان الوظيفي للموظف وأسرته خلال الخدمة وبعد انتهائها.
كما أرسى المشرع ضمانات قانونية تحمي الموظف من التعسف، فنص على عدم جواز فصله أو إنهاء خدمته إلا وفق إجراءات قانونية محددة، تقوم على التحقيق وضمان حق الدفاع، مع منحه الحق في التظلم الإداري ثم الطعن أمام القضاء الإداري.
سادسًا: حقوق المرأة العاملة
أولى المشرع القطري اهتمامًا خاصًا بحقوق المرأة العاملة، فأقر لها مجموعة من الضمانات التي تراعي خصوصيتها الأسرية، من أبرزها إجازة الوضع، وساعات الرضاعة، والإجازات المقررة لرعاية الأسرة.
ويعكس هذا التنظيم توجه الدولة نحو تمكين المرأة من المشاركة الفاعلة في الوظيفة العامة، مع الحفاظ على التوازن بين مسؤولياتها المهنية ودورها الأسري.

الخلاصة
حرص المشرع القطري من خلال قانون الموارد البشرية المدنية على إرساء منظومة متكاملة من حقوق الموظف العام، تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، وتضمن العدالة في التعيين، والاستقرار المعيشي، والتدرج الوظيفي، والحماية القانونية، والرعاية الاجتماعية.
وبذلك يسهم هذا التنظيم في تعزيز كفاءة الجهاز الإداري، وترسيخ الثقة في الوظيفة العامة، وتحقيق الصالح العام في إطار من المشروعية والعدالة.