تُعد السفينة من أهم وسائل النقل البحري لنقل البضائع والركاب بين الموانئ، وتمثل أحد الأعمدة الأساسية للتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. وقد أولى المشرّع القطري عناية خاصة بتنظيمها نظرًا لطبيعتها القانونية المميزة وما يرتبط بها من معاملات مالية وتجارية ذات أثر اقتصادي بالغ.
فقد اعتبر قانون التجارة القطري رقم (27) لسنة 2006 أن الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية من قبيل الأعمال التجارية، حيث نصت المادة (6) على أن الأعمال المرتبطة بالملاحة البحرية والجوية – وبوجه خاص إنشاء السفن وبيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها وإصلاحها – تُعد من الأعمال التجارية بطبيعتها، بما يعكس الطبيعة الاستثمارية للنشاط البحري.
ونظرًا لخصوصية السفينة لأنها منقول ذو طبيعة خاصة، فقد خصّها المشرّع بتنظيم مستقل في القانون البحري القطري رقم (15) لسنة 1980، واضعًا إطارًا قانونيًا متكاملًا ينظم ملكيتها، والحقوق العينية التي ترد عليها، ومسؤولية ملاكها، لاسيما في حالة الملكية الشائعة، وهي الحالة التي تثير العديد من الإشكاليات العملية المرتبطة بالإدارة والمسؤولية والائتمان البحري.

أولًا: التعريف القانوني للسفينة
عرّف القانون البحري السفينة بأنها:
“كل منشأة صالحة للملاحة تعمل عادة في الملاحة البحرية أو تكون معدة لذلك، ولو لم تستهدف الربح”، وذلك وفقًا لنص المادة (1) من القانون البحري. كما اعتبر المشرّع أن ملحقات السفينة اللازمة لاستثمارها تُعد جزءًا لا يتجزأ منها.
ويُستفاد من هذا التعريف أن معيار اعتبار المنشأة سفينة يقوم على صلاحيتها الفنية للملاحة البحرية والغرض الذي أُعدت له، وليس على تحقيق الربح، وهو ما يوسع من نطاق تطبيق أحكام القانون البحري ليشمل الوحدات البحرية المستخدمة لأغراض خدمية أو حكومية متى توافرت فيها صفة الملاحة.
أقرأ ايضًا: حقوق العمال في القانون القطري 2026: هل تُعد من النظام العام؟
ثانيًا: الطبيعة القانونية للسفينة وإمكان تملكها على الشيوع
رغم أن السفينة تُعد منقولًا من حيث الأصل، فإنها تتمتع بنظام قانوني خاص يميزها عن باقي المنقولات، نظرًا لقيمتها الاقتصادية الكبيرة، وإمكانية ترتيب حقوق عينية تبعية عليها كالرهن البحري، فضلًا عن ارتباطها بمخاطر الملاحة وما يستتبعه ذلك من تنظيم خاص لمسؤولية الملاك.
وقد تكون ملكية السفينة: ملكية مفرزة لشخص واحد، أو ملكية شائعة بين عدة أشخاص.
وفي حالة الملكية الشائعة، أوجب المشرّع – وفقًا للمادة (2) من القانون البحري – أن يكون جميع المالكين متمتعين بالجنسية القطرية، سواء كانوا أشخاصًا طبيعيين أو اعتباريين، وهو قيد تشريعي يستهدف ضمان خضوع السفينة للسيادة القانونية الوطنية وتعزيز الرقابة على النشاط البحري.
ثالثًا: الملكية الشائعة للسفينة في ضوء القواعد العامة
لم يخرج تنظيم الملكية الشائعة للسفينة عن القواعد العامة المقررة في القانون المدني. فالملكية الشائعة تعني اشتراك عدة أشخاص في حق عيني على مال واحد دون إفراز حصة كل منهم.
وقد قررت المادة (852) من القانون المدني أن الشركاء على الشيوع تتساوى حصصهم ما لم يقم دليل على خلاف ذلك، كما نصت المادة (853) على أن لكل شريك أن يتصرف في حصته وأن ينتفع بها، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر بحقوق باقي الشركاء.
وتطبيقًا لهذه القواعد على السفينة، يكون كل مالك على الشيوع مالكًا لحصة غير مفرزة منها، مع تمتعه بحقوق الاستعمال والانتفاع والتصرف في حدود حصته، بما في ذلك إمكانية رهن حصته أو التنازل عنها، مع بقاء السفينة كوحدة قانونية واحدة.

رابعًا: إدارة السفينة المملوكة على الشيوع
تخضع إدارة المال الشائع – بوجه عام – لأحكام القانون المدني، حيث نصت المادة (854) على أن إدارة المال الشائع تكون للشركاء مجتمعين ما لم يتفقوا على خلاف ذلك، كما أجازت المادة (855) لأغلبية الشركاء – بحسب قيمة الحصص – القيام بأعمال الإدارة المعتادة.
وفي الإطار البحري، أكدت المادة (7) من القانون البحري ذات المبدأ، إذ قررت أن رأي الأغلبية يُتبع في كل ما يتعلق بالمصلحة المشتركة لمالكي السفينة على الشيوع، ما لم يوجد نص أو اتفاق يقضي بغير ذلك. ويقصد بالأغلبية موافقة المالكين الحائزين على أكثر من نصف الحصص في السفينة.
ويهدف هذا التنظيم إلى تحقيق قدر من الاستقرار في إدارة السفينة، باعتبارها أداة استثمارية لا تحتمل تعطيل نشاطها بسبب خلافات الشركاء، خاصة أن طبيعة الاستغلال البحري تتطلب سرعة اتخاذ القرار في مسائل التشغيل والصيانة والتعاقد.
أقرأ ايضًا: الإطار التنظيمي لـ البنوك الرقمية في القانون القطري، في ضوء تعليمات مصرف قطر المركزي 2026
خامسًا: نطاق مسؤولية مالك السفينة على الشيوع
الأصل أن مسؤولية المالك على الشيوع عن الالتزامات الناشئة عن السفينة تكون في حدود حصته فقط، فلا يسأل عن كامل الالتزامات إلا بقدر نصيبه في الملكية. ويستند هذا الحكم إلى مبدأ استقلال الذمم المالية للشركاء، وإلى أن الشيوع لا ينشئ شخصية قانونية مستقلة عن الشركاء.
ويترتب على ذلك أن دائني السفينة لا يستطيعون الرجوع على أي مالك إلا في حدود حصته، ما لم يوجد اتفاق خاص أو نص قانوني يرتب مسؤولية تضامنية. ويُعد هذا الحكم من الضمانات التي تشجع الاستثمار المشترك في ملكية السفن دون تعريض الشركاء لمخاطر مالية تتجاوز حدود مساهمتهم.
سادسًا: موقف المالك غير الموافق على قرارات الأغلبية
قد يتخذ ملاك السفينة على الشيوع قرارًا بالأغلبية يرتب التزامات مالية أو تعاقدية، دون موافقة أحد الشركاء. وقد عالج المشرّع هذه الحالة بنص المادة (8) من القانون البحري، حيث قرر أن الشريك الذي لم يوافق على العمل يظل مسؤولًا في حدود حصته، ولا تبرأ ذمته إلا إذا قام بالتخلي عن حصته في السفينة.
ويُظهر هذا الحكم توازنًا تشريعيًا دقيقًا بين مصلحة الجماعة المالكة للسفينة في استمرار استغلالها، ومصلحة الشريك المعترض في عدم تحميله التزامات لم يرتضِها، دون الإضرار في الوقت ذاته بحقوق الدائنين.
سابعًا: آثار التخلي عن الحصة
إذا اختار المالك غير الموافق التخلي عن حصته، فإن ذمته تبرأ من الالتزامات الناشئة عن العمل الذي لم يوافق عليه. ويترتب على هذا التخلي – وفق حكم المادة (8) – انتقال الحصة المتخلى عنها إلى باقي المالكين، وتوزيعها بينهم بنسبة حصصهم.
ويحقق هذا التنظيم استمرارية المشروع الملاحي ويمنع تجميد استغلال السفينة، كما يحافظ على استقرار المراكز القانونية لباقي الشركاء، ويعزز الثقة في المعاملات المرتبطة بالائتمان البحري.

خاتمة
يتضح من استقراء نصوص القانون البحري القطري أن المشرّع وضع تنظيمًا متوازنًا لمسؤولية مالك السفينة على الشيوع، مستندًا إلى القواعد العامة للملكية الشائعة، مع إدخال أحكام خاصة تتلاءم مع الطبيعة الاقتصادية والفنية للنشاط البحري. فقد أقرّ مبدأ إدارة السفينة بنظام الأغلبية، وحدد معيارها الموضوعي، كما قصر مسؤولية المالك على حدود حصته، وأجاز للشريك غير الموافق التخلص من الالتزامات عبر التخلي عن حصته مع إعادة توزيعها على باقي الشركاء.
ويعكس هذا التنظيم حرص المشرّع القطري على حماية الائتمان البحري، وضمان استقرار المعاملات، وتشجيع الاستثمار المشترك في القطاع البحري، بما يدعم مكانة الدولة كمركز لوجستي وتجاري إقليمي، ويتوافق مع التوجهات التشريعية الحديثة الرامية إلى تحقيق التوازن بين حرية الاستثمار ومتطلبات الحوكمة القانونية الرشيدة.