أسباب الإباحة في القانون الجنائي القطري: متى يصبح الفعل المجرم مباحًا؟

الأفعال المجرمة محصورة ، ولا اجتهاد لأحد فيها ، مهما بلغت قوته وسلطته، في دولة القانون، امتثالا لمبدأ قانوني هام في علم العقاب الجنائي ” لا جريمة إلا بنص” وهذا أمر محمود ، ولكن الأهم هل يتصور تجريم الفعل المرتكب ، وعدم العقاب عليه بل عدم المساءلة عنه، فيصبح هو والفعل المباح واحد رغم تجريمه، هذا ما يطلق عليه في علم العقاب، أسباب الاباحة، فما هي؟ ، وما هي مواضعها في القانون الجنائي؟

أسباب الإباحة في قانون العقوبات القطري
أسباب الإباحة في قانون العقوبات القطري

تعريف أسباب الإباحة:

هي الأسباب التي إذا تحققت في الفعل ، انتفعت عنه الصفة الاجرامية عن السلوك، ويصبح سلوك مشروع وجائز، لا جرم فيه، فأثر توفر سبب من أسباب اباحة الفعل، يخرج هذا الفعل من مجال التجريم والعقاب.

ويفترض في سبب الإباحة ارتكاب الفعل في ظروف وأحوال محددة، حددها المشرع الجنائي، بأنها متي تحققت تنفي عن الفعل كونه اعتداء علي حق من الحقوق الجديرة بالحماية الجنائية.

وعلة اباحة تلك الأفعال التي يضع عليها المشرع نص التجريم صفة عدم الاباحة، هي انتفاء علة تجريم هذه الأفعال، مثال ذلك ( علة تجريم القتل حماية لحق الإنسان في الحياة، فينتفي عنه علة التجريم بحيث يكون تجريم القتل في تلك الظروف بدون مبرر ، فيصبح القتل من سلوك ممنوع إلي سلوك مباح ، كما هو الحال اذا ارتكب فعل القتل دفاعا عن النفس أو المال بشروط – كذلك أفعال الجرح التي تعتبر بحسب الأصل مجرمة حماية لحق الانسان في سلامة جسده ، فتصبح مباحة إذا ما صدر عن طبيب يقوم بعلاج مريض بقطع ساقه خشية هلاكه – وأيضا أفعال الضرب إذا ما صدرت من الزوج الذي يقوم بتأديب زوجته أو الاب الذي يقوم بتأديب ولده) ، كل هذه الأفعال تصبح مباحة طبقا لضوابط وشروط ينص عليها القانون.

مواضع الاباحة في القانون:

فقد نص قانون العقوبات القطري رقم (11) لسنة 2004 المادة (47) منه على أسباب الاباحة بانه ” لا جريمة إذا وقع الفعل بنية سليمة، استعمالا لحق مقرر بمقتضى الشريعة الإسلامية أو القانون، وفي نطاق هذا الحق”.

وتطبيقا لذلك يشترط لإباحة الفعل المجرم شروط محددة يجب توافرها وهي:

  • الشرط الأول: ان يقع الفعل المجرم أي كانت صفته بنية سليمة: ومدى سلامة النية من عدمه تخضع لقواعد الإثبات في القانون الجنائي، ووفقا لظروف ووقائع الفعل ، وتخضع في تقديرها لسلطة القاضي الجنائي التقديرية، باعتباره قاضي عقيدة ، مع خضوع سلطته التقديرية تلك لرقابة محكمة التمييز العليا.
  • الشرط الثاني: أن يكون مرتكب الفعل له الحق في استعماله بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية: ( كحق الزوج في تأديب زوجته ، وحق الأب في تأديب ولده ، وحق الطبيب في علاج مريضه، وحق المدرس في تعليم تلاميذه)، أو بمقتضى القانون: ( كحق الشخص في ممارسة الرياضة ، وحق الشخص في الدفاع عن نفسه وعرضه وماله، وحق المرؤوس في تنفيذ أوامر رئيسه ، والحق في تنفيذ القوانين وغيرها من الحالات المقررة قانونا).
  • الشرط الثالث: أن يكون الفعل في نطاق الحق المقرر بأحكام الشريعة أو بنص القانون.

ولعل سائل يسأل ما هي مشروعية الحق ؟ وما هو مصدره؟

مشروعة الحق هو ما اضفي عليه المشرع القطري صفة الاباحة ، ونفي عنه صفة التجريم، فيصبح مباح فعله مادام مرتكبه ملتزما بحدوده ، ولم يتجاوزها ، وصفة المشروعة هذه تستوجب اعتراف كل فروع القانون النافذة بالدولة أن تقر هذه الاباحة.

فإذا أجاز المشرع للأب الحق في تأديب ابنه بالضرب ، فلا تجوز مساءلته جنائيا عن جريمة ضرب ، ولا يسأل مدنيا ، ولا إداريا عن ذلك ، والحكمة من ذلك واضحة لتجنب نشوب تعارض بين فروع القانون، وعدم تحقيق الغاية من القانون بحماية الصالح العام لأفراد الدولة.

ومصدر الحق والاباحة للفعل هو الشريعة الإسلامية ، أو القانون

أقرأ أيضًا: كيفية تأسيس شركة التوصية البسيطة وفقًا للقانون القطري دراسة تحليلية في الطبيعة القانونية والإجراءات والآثار

أسباب الإباحة في قانون العقوبات القطري
أسباب الإباحة في قانون العقوبات القطري

الأفعال المباحة جنائيا:

أفعال العوام من الناس:

جاء نص المادة (47) من قانون العقوبات محددة لحالات استعمال الحق ، ومتى تحققت حالة منها ، أصبح الفعل المرتكب بصددها مباح ، لا جرم فيه وهذه الحالات هي:

  • أولا: ممارسة الأعمال الطبية متى تمت طبقا للأصول العلمية المتعارف عليها في المهن الطبية المرخص بها.
  • ثانيا: أعمال العنف التي تقع أثناء ممارسة الألعاب الرياضية.
  • ثالثا: أعمال العنف التي تقع من ارتكب جريمة متلبسا فيها.
  • رابعا: ما يقع من المتقاضين اثناء دفاعهم شفويا او كتابيا عن انفسهم أو وكلائهم.

أفعال تخص الموظف العام:

ومن الحالات التي اذا وقعت أفعال مجرمة تصبح مباحة ما نصت عليه المادة (48) عقوبات بأنه ” لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف عام في حالتين وهما:

  • الاولي: حالة تنفيذ أمر رئيس تجب طاعته أو اعتقد أنها واجبة عليه.
  • الثانية: حالة تنفيذ القوانين أو الاعتقاد بحسن نية أن تنفيذها من اختصاصه.

وفي كلتا الحالتين يجب على الموظف العام التثبت والتحري ، وأنه كان يعتقد مشروعية الفعل، وأن اعتقاده هذا مؤسس علي أسباب معقولة.

أفعال تخص الدفاع الشرعي:

حيث نصت على تلك الأفعال المادة (49) عقوبات على أنه ” لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالا لحق الدفاع الشرعي وبشروط هي :

  • الشرط الأول: مواجهة المدافع الخطر حالا من جريمة علي نفسه او ماله او نفس غيره أو ماله أو اعتقد وجود خطر ، وكان مستند لأسباب معقولة.
  • الشرط الثاني: أن يتعذر على المدافع اللجوء للسلطة العامة في الوقت المناسب لدرء الخطر الذي يهدده من الجريمة.
  • الشرط الثالث: عدم وجود وسيلة اخرى امام المدافع لدفع الخطر
  • الشرط الرابع: أن يكون الفعل لازم لدفع الخطر ، ومتناسبا معه

ولا بد من توافر الأربع شروط لإباحة الفعل المجرم.

أقرأ أيضًا: محكمة الاستثمار والتجارة القطرية ودورها في فض المنازعات الاستثمارية 2026

ويشترط لإباحة القتل دفاعا عن النفس توافر الشروط التالية عملا بنص المادة (50) عقوبات وهي:

  • الشرط الأول: أن يكون الفعل يخشى أن يحدث عنه وفاة.
  • الشرط الثاني: أن يكون الفعل يمثل اعتداء علي انثي كرها او هتك عرضها بالقوة.
  • الشرط الثالث: أن يكون الفعل اختطاف انسان.
  • الشرط الرابع : ان يكون الفعل يمثل جناية حريق أو جناية اتلاف أو جناية سرقة.
  • الشرط الخامس: ان يكون الفعل دخول منزل مسكون ليلا أو احد ملحقاته.

ويكتفي في هذه الحالة توافر شرط او فعل واحد منهم ، لإباحة القتل.

أسباب الإباحة في قانون العقوبات القطري
أسباب الإباحة في قانون العقوبات القطري

الخلاصة:

أن المشرع القطري رفع صفة التجريم عن بعض الأفعال المجرمة لوجود ظرف معين أو حق واحب الحماية القانونية بدرء الاعتداء عليه تحت مصطلح ” أسباب الاباحة ” وذلك لطبيعة الحق الذي يجد مصدره في أحكام الشريعة الإسلامية، او القانون ، حفاظا علي حق اسمي يجب حمايته ، فكان لا بد من إباحته ، بشروط وضوابط محددة حصرا بنص القانون ، ومن هذه الأفعال المباحة منها ما يرجع لضرورة الحياة الطبيعية لعوام الناس، ومنها ما يرجع لطبيعة الوظيفة العامة، ومنها ما يرجع دفاع الأنسان عن نفسه أو غيره في ماله وعرضه ونفسه.